ابن الأثير

290

الكامل في التاريخ

ولو كنت بذلك موقنا لم تحمل على نفسك في الطلب . وقالت زوجته روشنك : ما كنت أحسب أنّ غالب دارا يغلب ، فإنّ الكلام الّذي سمعت منكم فيه شماتة ، فقد خلف الكأس الّذي شرب به ليشربه الجماعة . وقالت أمّه حين بلغها موته : لئن فقدت من ابني أمره لم يفقد من قلبي ذكره . فهذا كلام الحكماء فيه مواعظ وحكم حسنة فلهذا أثبتّها . ومن حيل الإسكندر في حروبه أنّه لما حارب دارا خرج إلى بين الصفّين وأمر مناديا فنادى : يا معشر الفرس قد علمتم ما كتبتم إلينا وما كتبنا إليكم من الأمان ، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل فإنّه يرى منّا الوفاء . فاتّهمت الفرس بعضها بعضا واضطربوا . ومن حيله أنّه تلقّاه ملك الهند بالفيلة ، فنفرت خيل أصحابه عنها ، فعاد عنه وأمر باتخاذ فيلة من نحاس وألبسها السلاح وجعلها مع الخيل حتى ألفتها ، ثمّ عاد إلى الهند ، فخرج إليهم ملك الهند ، فأمر الإسكندر بتلك الفيلة فملئت بطونها من النفط والكبريت وجرّت على العجل إلى وسط المعركة ومعها جمع من أصحابه ، فلمّا نشبت الحرب أمر بإشعال النّار في تلك الفيلة ، فلمّا حميت انكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند ، فضربتها بخراطيمها فاحترقت وولّت هاربة راجعة على الهند ، فانهزموا بين يديها . ومن حيله أنّه نزل على مدينة حصينة وكان بها كثير من الأقوات وبها عيون ماء ، فعاد عنها فأرسل إليها قوما على هيئة التجّار ومعهم أمتعة يبيعونها وأمرهم بمشترى الطعام والمغالاة في ثمنها ، فإذا صار عندهم أحرقوه وهربوا ، ففعلوا ذلك وهربوا إليه فأنفذ السرايا إلى سواد تلك المدينة وأمرهم بالغارة مرّة بعد أخرى ، فهربوا ودخلوا البلد ليحتموا به ، فسار الإسكندر إليهم ، فلم يمتنعوا عليه .